هل يملك الإنسان الحق في اختيار لحظة رحيله؟
في فرنسا، لم يعد هذا السؤال مجرد نقاش فلسفي أو ديني. لقد أصبح قانونًا… لكنه لا يزال يثير انقسامًا عميقًا داخل المجتمع.
في 15 يوليو 2026، صوّتت الجمعية الوطنية الفرنسية لصالح قانون “الحق في المساعدة على الموت” بأغلبية 291 نائبًا مقابل 241، مع امتناع 29 نائبًا.
وبهذا القرار، تلتحق فرنسا بمجموعة محدودة من الدول التي تسمح بإنهاء الحياة طبيًا، إلى جانب هولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ وسويسرا وكندا.
لكن خلف هذا التصويت تختبئ قصة أكثر تعقيدًا.
اللافت ليس فقط أن القانون مرّ، بل أن عدد مؤيديه تراجع مع كل قراءة برلمانية.
في البداية حصد 305 أصوات، ثم 299، ثم 295، قبل أن يستقر عند 291 صوتًا في القراءة الأخيرة.
أغلبية تتآكل تدريجيًا، رغم أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن نحو 90% من الفرنسيين يؤيدون، من حيث المبدأ، حق الإنسان في اختيار نهاية حياته.
هنا تكمن المفارقة.
بين التأييد الشعبي الواسع والتحفظ البرلماني المتزايد، يظهر حجم التعقيد الذي يحيط بالقضية.
القانون لا يفتح الباب أمام الجميع.
بل يضع شروطًا دقيقة.
يجب أن يكون طالب المساعدة على الموت بالغًا، فرنسيًا أو مقيمًا في فرنسا، وأن يكون مصابًا بمرض عضال في مراحله الأخيرة، مع معاناة لا يمكن تخفيفها، وبعد التأكد من أن قراره اتُّخذ بحرية كاملة، وبموافقة فريق طبي متعدد الاختصاصات.
كما يستبعد القانون المصابين بالأمراض النفسية الخطيرة أو بمرض ألزهايمر.
وفي بعض الحالات يتناول المريض الدواء بنفسه، وفي حالات أخرى يمكن للطبيب أو الممرض تقديمه إذا كان عاجزًا جسديًا.
وفي المقابل، صادق البرلمان أيضًا بالإجماع على قانون يعزز الرعاية التلطيفية، في محاولة لتأكيد أن تخفيف الألم سيبقى أولوية، وأن المساعدة على الموت ليست بديلًا عن العلاج والرعاية.
رغم التصويت، لم يُغلق الملف.
مجلس الشيوخ رفض المشروع ثلاث مرات، قبل أن تحسم الجمعية الوطنية الأمر بصفتها صاحبة الكلمة الأخيرة.
واليوم، ينتظر القانون قرار المجلس الدستوري الذي يملك صلاحية تعديل بعض مواده أو إلغاء أجزاء منها.
بمعنى آخر… المعركة السياسية انتهت، لكن المعركة القانونية ما زالت مستمرة.
أنصار القانون يرون أن القضية تتعلق بالكرامة الإنسانية قبل أي شيء آخر.
عندما يصبح الموت حتميًا، ويبلغ الألم حدًا لا يُحتمل، فإن منع الإنسان من اختيار طريقة رحيله يمثل، في نظرهم، انتقاصًا من حريته وكرامته.
ويستشهدون بسنوات طويلة اضطر خلالها فرنسيون للسفر إلى سويسرا أو بلجيكا لإنهاء حياتهم بعيدًا عن عائلاتهم، لأن القانون الفرنسي كان يمنع ذلك.
الرئيس إيمانويل ماكرون اعتبر التصويت ثمرة “نقاش ديمقراطي محترم”، ووصفه بأنه محطة جديدة في مسار الإصلاحات المجتمعية الكبرى التي عرفتها فرنسا خلال العقد الأخير.
لكن حتى داخل معسكر المؤيدين، لا يخلو الأمر من التحفظ.
فبعض الأطباء يخشون العبء الأخلاقي الذي قد يفرضه القانون عليهم، بينما يحذر مدافعون عن حقوق ذوي الإعاقة من توسع شروط الاستفادة مستقبلًا، كما حدث في بعض الدول الأوروبية.
في المقابل، يرى الرافضون أن فرنسا تجاوزت خطًا أحمر.
الكنيسة الكاثوليكية وصفت التصويت بأنه “قطيعة خطيرة” مع تاريخ البلاد، معتبرة أن مهمة الطب هي مرافقة الإنسان حتى وفاته الطبيعية، لا المساهمة في إنهاء حياته.
ويشارك كثير من الأطباء هذا القلق، مؤكدين أن دور الطبيب يجب أن يبقى علاج المرض لا التسبب في الموت.
سياسيًا، اعتبرت النائبة الجمهورية جوستين غرويه أن البرلمان شرّع لأول مرة إمكانية إنهاء حياة إنسان بشكل قانوني.
أما نواب حزب التجمع الوطني، فقد غادروا القاعة احتجاجًا فور إعلان النتيجة.
القلق لا يقتصر على الاعتبارات الأخلاقية.
هناك سؤال آخر يفرض نفسه بقوة.
هل ستبقى المساعدة على الموت خيارًا حرًا… أم قد تتحول مع مرور الوقت إلى مخرج تفرضه الظروف؟
منظمات رعاية المسنين تخشى أن يشعر كبار السن أو المرضى المعزولون بأنهم أصبحوا عبئًا على أسرهم أو على النظام الصحي، فيختاروا الموت تحت ضغط نفسي أو اجتماعي غير معلن.
كما يطرح كثيرون سؤالًا عمليًا: هل ستستثمر الدولة فعلًا في الرعاية التلطيفية، أم سيصبح “الموت المساعد” الحل الأقل كلفة؟
التراجع المستمر في عدد النواب المؤيدين لم يكن صدفة.
فكل قراءة جديدة كشفت أسئلة أكثر تعقيدًا.
كيف يُعرَّف المرض العضال؟
كيف يمكن التأكد من أن المريض يتخذ قراره بحرية كاملة؟
وأين ينتهي الانتحار بمساعدة طبية، ويبدأ القتل الرحيم؟
كل هذه التفاصيل دفعت عددًا من النواب إلى مراجعة مواقفهم.
كما ساهمت الاضطرابات السياسية التي عاشتها فرنسا خلال فترة مناقشة المشروع في زيادة حالة التردد داخل البرلمان.
وهكذا ظهر الفرق بين تأييد المبدأ… والاتفاق على كيفية تطبيقه.
في الحقيقة، لا يتعلق الأمر بالموت فقط.
بل بمكانة الإنسان، وحدود حرية الفرد، ودور الدولة، ورسالة الطب، وتأثير الدين في مجتمع علماني.
ولهذا السبب، لم يكن الانقسام بين اليمين واليسار واضحًا.
محافظون أيدوا القانون باسم الحرية الفردية، ويساريون عارضوه دفاعًا عن الفئات الأكثر هشاشة.
قد يكون البرلمان قد حسم التصويت.
لكن فرنسا لم تحسم النقاش.
الأسئلة التي أثارها هذا القانون ستبقى مطروحة لسنوات طويلة، وربما لعقود.
لأن القضية، في النهاية، لا تتعلق فقط بكيفية إنهاء الحياة… بل بكيفية تعريف الكرامة الإنسانية نفسها، وحدود حرية الإنسان في تقرير مصيره حتى اللحظة الأخيرة.
