تدخل السلطات الفرنسية مرحلة جديدة في ملف تنظيم شؤون الإسلام في البلاد، بعد سنوات من الجدل والخلافات التي أعقبت انهيار المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، في خطوة قد تمهد لولادة هيئة وطنية جديدة تتحدث باسم ملايين المسلمين المقيمين في فرنسا، وتكون شريكًا رسميًا للدولة في القضايا المرتبطة بالشأن الديني.
وفي تطور يعكس أهمية هذا الملف بالنسبة للإليزيه، احتضن قصر الرئاسة الفرنسية اجتماعًا رفيع المستوى بحضور الرئيس إيمانويل ماكرون وعدد من الشخصيات المشاركة في مجموعة “الهيكلة” التابعة لمنتدى الإسلام في فرنسا (FORIF)، وذلك لبحث مستقبل تمثيل المسلمين ووضع أسس مؤسسة جديدة قادرة على تجاوز إخفاقات التجارب السابقة.
نهاية مرحلة وبداية أخرى
منذ إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون عام 2021 إنهاء دور المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية (CFCM)، بقي الإسلام في فرنسا، الذي يضم ما بين ثلاثة وخمسة ملايين مسلم وفق التقديرات، من دون هيئة وطنية موحدة تحظى باعتراف الدولة وتمثل مختلف المساجد والجمعيات الإسلامية.
وكان المجلس، الذي تأسس عام 2003 ليكون المخاطب الرسمي للحكومة الفرنسية، قد دخل في دوامة من الخلافات الداخلية والانقسامات بين مكوناته، إضافة إلى تباين الرؤى حول طبيعة العلاقة مع الدول الأجنبية التي كانت تدعم بعض الاتحادات الإسلامية، وهو ما أدى إلى شلل مؤسساته وفقدانه القدرة على أداء مهامه.
ورأت السلطات الفرنسية أن المجلس لم يعد قادرًا على مواكبة التحولات التي يشهدها الإسلام الفرنسي، ولا على تمثيل التنوع الكبير داخل الجالية المسلمة، ليقرر الرئيس الفرنسي دفن هذه المؤسسة وفتح صفحة جديدة عبر إنشاء منتدى الإسلام في فرنسا، الذي يقوم على الحوار المباشر مع الفاعلين المحليين بدل الاعتماد على الاتحادات التقليدية.
استشارة وطنية غير مسبوقة
وتشير المعطيات إلى أن الحكومة الفرنسية تستعد خلال الأسبوع المقبل لإطلاق استشارة وطنية واسعة النطاق تشمل جميع مسؤولي المساجد المنتشرة في مختلف أنحاء البلاد.
وسيُرسل استبيان مفصل إلى القائمين على المساجد بهدف استطلاع آرائهم بشأن الصيغة الأنسب لإنشاء هيئة تمثيلية جديدة، وكيفية انتخابها، والمهام التي ينبغي أن تضطلع بها، إضافة إلى طبيعة العلاقة التي ستربطها بالسلطات الفرنسية.
ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها أول محاولة منظمة منذ سنوات لإشراك القواعد المحلية للمساجد في رسم مستقبل تمثيل المسلمين، بدل الاكتفاء بالتفاوض مع عدد محدود من الاتحادات والمنظمات الكبرى.
اجتماع في الإليزيه… ورسائل سياسية واضحة
وكان ملف إعادة هيكلة تمثيل الإسلام في فرنسا محور اجتماع عقد في قصر الإليزيه يوم 30 يونيو الماضي، جمع الرئيس إيمانويل ماكرون بعشرة أعضاء من مجموعة “الهيكلة” المنضوية تحت منتدى الإسلام في فرنسا.
وجاء هذا اللقاء ليؤكد أن الرئاسة الفرنسية تتابع الملف بشكل مباشر، في ظل اقتناع متزايد داخل دوائر الحكم بأن غياب ممثل رسمي للمسلمين خلق فراغًا مؤسساتيًا يصعب تجاهله، سواء في إدارة شؤون العبادة أو في الحوار مع السلطات بشأن قضايا تكوين الأئمة، وتنظيم المساجد، ومكافحة التطرف، والحفاظ على مبادئ العلمانية.
وقد كشفت وسائل إعلام فرنسية عن هذا الاجتماع، قبل أن تؤكد مصادر مطلعة انعقاده، ما يعكس حجم الاهتمام السياسي الذي يحظى به المشروع الجديد.
لماذا فشل المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية؟
يرى مراقبون أن أسباب انهيار المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية تعود إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، أبرزها:
- الصراعات المستمرة بين الاتحادات الإسلامية المختلفة.
- تأثير بعض الدول الأجنبية على عدد من مكونات المجلس.
- غياب توافق حقيقي حول آليات اتخاذ القرار.
- فقدان المجلس ثقة عدد كبير من المساجد المستقلة.
- عدم قدرته على تمثيل الأجيال الجديدة من المسلمين الفرنسيين.
وأدى ذلك إلى تراجع دوره تدريجيًا، حتى أصبح عاجزًا عن إصدار مواقف موحدة أو إدارة الملفات الكبرى المتعلقة بالإسلام في فرنسا.
منتدى الإسلام في فرنسا… نموذج مختلف
بعد حل المجلس، اختارت الحكومة الفرنسية إطلاق منتدى الإسلام في فرنسا (FORIF)، الذي يعتمد على مقاربة مختلفة تقوم على إشراك شخصيات محلية وإداريين وأئمة ومسؤولي مساجد من مختلف المناطق، دون إنشاء قيادة مركزية واحدة.
لكن هذا المنتدى، رغم نجاحه في إطلاق حوارات متخصصة حول تدريب الأئمة، وإدارة المساجد، وتأمين أماكن العبادة، لم ينجح في سد الفراغ الذي تركه غياب مؤسسة وطنية تتحدث باسم المسلمين أمام الدولة ووسائل الإعلام.
ولهذا السبب عاد ملف إنشاء هيئة تمثيلية جديدة إلى واجهة النقاش السياسي.
ما الذي تبحث عنه الدولة الفرنسية؟
بحسب مصادر مطلعة، فإن السلطات الفرنسية تسعى إلى إنشاء مؤسسة تتمتع بعدة خصائص أساسية، من بينها:
- تمثيل حقيقي لمختلف المساجد في أنحاء فرنسا.
- استقلالية عن التأثيرات الخارجية.
- شرعية مستمدة من انتخاب أو اختيار ديمقراطي.
- قدرة على الحوار مع الحكومة في القضايا الدينية.
- المشاركة في تنظيم شؤون العبادة الإسلامية داخل فرنسا.
كما ترغب الحكومة في أن تكون الهيئة الجديدة أكثر قربًا من الواقع المحلي للمسلمين، وأقل ارتباطًا بالتوازنات السياسية التي أثرت على المؤسسات السابقة.
تحديات كبيرة أمام المشروع الجديد
ورغم الحماس الذي يحيط بالمبادرة، فإن الطريق نحو إنشاء ممثل موحد للمسلمين لا يبدو سهلاً.
فالمشهد الإسلامي في فرنسا شديد التنوع، إذ يضم آلاف المساجد والجمعيات ذات الخلفيات الفكرية والثقافية المختلفة، إضافة إلى تنوع الأصول الوطنية للمصلين، وهو ما يجعل التوصل إلى توافق شامل مهمة معقدة.
كما يثير المشروع تساؤلات حول طبيعة استقلالية الهيئة الجديدة، ومدى قدرة الدولة على دعم تنظيم الإسلام دون أن تُتهم بالتدخل في الشؤون الدينية، خاصة في ظل التمسك الفرنسي الصارم بمبدأ العلمانية.
بين الحاجة إلى التمثيل واحترام العلمانية
يرى عدد من الخبراء أن فرنسا تواجه معادلة دقيقة؛ فهي من جهة تحتاج إلى وجود شريك مؤسساتي يمثل المسلمين في الملفات المتعلقة بالعبادة، ومن جهة أخرى تسعى إلى احترام مبدأ الفصل بين الدولة والأديان.
ولهذا تحاول السلطات بناء نموذج جديد يقوم على الحوار والتشاور مع الفاعلين الميدانيين، دون إعادة إنتاج التجارب السابقة التي تعرضت لانتقادات واسعة.
مرحلة جديدة للإسلام في فرنسا
إذا نجحت الاستشارة الوطنية في الوصول إلى توافق واسع بين مسؤولي المساجد، فقد تشهد الأشهر المقبلة الإعلان عن ميلاد أول هيئة وطنية جديدة تمثل المسلمين منذ انتهاء عهد المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه المبادرة لن يتوقف فقط على شكل المؤسسة الجديدة، بل على قدرتها على كسب ثقة المسلمين أنفسهم، وتمثيل تنوعهم، والتحدث باسمهم بصورة مستقلة وفعالة، بما يفتح صفحة جديدة في العلاقة بين الدولة الفرنسية وثاني أكبر ديانة في البلاد.
وفي حال تحقق ذلك، فإن فرنسا ستكون قد خطت خطوة مهمة نحو إعادة تنظيم المشهد الإسلامي على أسس جديدة، بعد سنوات من الفراغ المؤسسي والانقسامات التي حالت دون وجود صوت موحد يعبر عن المسلمين أمام مؤسسات الدولة.
