لم تكد أصداء صافرة النهاية في نهائي نادي “باريس سان جيرمان” تتلاشى، حتى اشتعلت شوارع باريس وليون ومرسيليا وبوردو ومدن فرنسية أخرى… لا بالألعاب النارية وحدها، بل بالنيران الحقيقية أيضاً.
محلات مكسّرة، سيارات محترقة، وشرطة تواجه شباناً غاضبين يختلط في سلوكهم الفرح بالفوضى.
مشهد بات مألوفاً في فرنسا، لكنه يبقى مؤلماً ومخجلاً.
غير أن الأكثر إحراجاً من أعمال الشغب نفسها، هو الهروب السهل نحو التفسيرات الجاهزة، بدلاً من مواجهة الحقيقة المركبة والمريرة.
لا أحد يولد مخرباً… لكن بعضهم يُربّى على الفراغ.
عائلات إفريقية ومغاربية هاجرت إلى فرنسا وهي تحمل أحلاماً مشروعة بحياة أفضل، وأنجبت أبناءً في بيئة لم تفهمها جيداً، ثم انشغلت بمعركة العمل والبقاء حتى أفلتت الخيوط من بين يديها.
الأب يقضي اثنتي عشرة ساعة في المصنع، والأم تتنقل بين أعمال التنظيف، فيما يكبر الطفل في الشارع باحثاً عن هوية وانتماء.
هذا ليس حكماً قاسياً، بل وصف لواقع قائم.
صحيح أن المسؤولية الأولى تبدأ داخل البيت، لكنها لا تنتهي فيه.
وهنا تظهر المفارقة الفرنسية الصادمة؛ فعندما تحاول بعض هذه العائلات ممارسة سلطتها التربوية التقليدية على أبنائها، تتدخل الدولة سريعاً باسم “حقوق الطفل”.
أب يرفع صوته أو يفرض الانضباط، وأم تمنع ابنتها من الخروج، فيجدان نفسيهما أمام تهديدات قانونية واجتماعية قد تصل إلى سحب الأطفال أو قطع المساعدات.
وهكذا يجد كثير من الآباء أنفسهم أمام معادلة مستحيلة:
إذا ربّيت ابنك وفق قيمك فأنت متهم، وإذا تركته لقيم الشارع فأنت مهمل… لكن أحداً لن يحاسب الشارع.
الدولة لا تستطيع أن تسلب الأسرة أدواتها التربوية، ثم تحاسبها لاحقاً على نتائج الانهيار التربوي.
أما مصنع الاحتقان الأكبر، فهو الإعلام الفرنسي.
فعلى مدى عقود، تحوّل جزء واسع من الإعلام السائد إلى ماكينة يومية لإنتاج صورة “المهاجر المذنب”.
كل أزمة اقتصادية؟ المهاجرون.
كل جريمة؟ المهاجرون.
كل عجز في الميزانية؟ المهاجرون.
ساعات طويلة من البرامج والتعليقات والخطابات التي تضخ الخوف من “الغزو الديموغرافي” و”ضياع الهوية”، ثم يأتي الاستغراب مساءً حين يشعر بعض الشباب أنهم غير مرغوب فيهم، وأنهم فرنسيون على الورق فقط.
حين تُخبر إنساناً كل يوم بأنه غريب في وطنه، لا تتفاجأ إذا تصرف كغريب.
الأكثر مرارة أن السلطات الفرنسية شاهدت لسنوات تمدد الخطاب العنصري عبر الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي، لكنها لم تتحرك بجدية إلا بعدما انتقلت النيران من الكلمات إلى الشوارع.
المحرّضون الحقيقيون، الذين زرعوا في عقول شباب الضواحي أنهم مرفوضون ومحتقرون، وأن “بلادهم الحقيقية” ليست فرنسا، لا يزالون يظهرون بحرية على الشاشات الكبرى، بينما يملأ الشبان الصغار زنازين التوقيف.
والقانون الذي لا يُطبّق بعدالة على الجميع، يتحول من أداة عدالة إلى أداة هيمنة.
ومع ذلك، فإن كل ما سبق لا يبرر ذرة واحدة من التخريب والعنف.
حرق السيارات، وتكسير المحلات، والاعتداء على الممتلكات ليست مقاومة ولا احتجاجاً مشروعاً، بل جرائم يدفع ثمنها أناس بسطاء، وربما مهاجرون مثلهم قضوا سنوات طويلة يبنون حياتهم بعرقهم وتعبهم.
لكن المجتمع الذي يكتفي بمعاقبة مظاهر الغضب، دون أن يجرؤ على مساءلة جذوره العميقة، يضمن عملياً تكرار المشهد نفسه في كل مناسبة قادمة.
فرنسا تحترق اليوم بنيران أشعلتها على مدى عقود:
إعلام التحريض،
ودولة الازدواجية،
وعائلات جُرّدت من أدوات التربية،
وشباب وُلدوا وكبروا ودرسوا في فرنسا… ثم قيل لهم بطريقة أو بأخرى إنهم لا ينتمون إليها.
انتصار باريس سان جيرمان لم يصنع الأزمة، لكنه فجّر ما كان كامناً تحت السطح.
ولهذا، فالسؤال الحقيقي ليس: كيف تُطفئ فرنسا حريق هذه الليلة؟
بل: هل تمتلك فرنسا الشجاعة الكافية لتنظر في المرآة؟
بقلم : محمد واموسي
