أعلنت فرنسا موقفًا متوازنًا ودقيقًا إزاء التطورات الدراماتيكية التي شهدتها فنزويلا عقب العملية العسكرية الأميركية التي انتهت بإلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في البرازيل، في تدخل غير مسبوق أعاد إلى الواجهة أسئلة السيادة، والشرعية، وحدود استخدام القوة في العلاقات الدولية.
وفي أول رد رسمي لباريس، عبّر وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو عن موقف مزدوج يجمع بين إدانة واضحة لممارسات نظام مادورو، وتحفّظ قانوني صارم إزاء التدخل العسكري الأميركي، مؤكدًا أن فرنسا ترفض أي “حل سياسي يُفرض من الخارج”، مهما كانت مبرراته.
إدانة فرنسية صريحة لمصادرة السلطة
واستهل بارو تصريحه بتوجيه انتقادات حادة للنظام الفنزويلي، معتبرًا أن نيكولاس مادورو “صادر السلطة من الشعب الفنزويلي، وحرمه من حرياته الأساسية، ووجّه ضربة خطيرة لكرامته وحقه في تقرير مصيره”.
وأكد الوزير الفرنسي أن ما جرى في فنزويلا على مدى السنوات الماضية لا يمكن فصله عن أزمة شرعية عميقة، دفعت الملايين إلى الهجرة، وقوّضت المؤسسات الديمقراطية، ودفعت البلاد إلى عزلة دولية متزايدة.
وفي هذا السياق، شدّد بارو على أن فرنسا التزمت باستمرار بدعم سيادة الشعب الفنزويلي، ولا سيما عبر جهود الوساطة والدعوات المتكررة إلى حلول سياسية تفاوضية تضمن أن تكون “كلمة الشعب هي الفيصل”.
تقاطع أوروبي حول فقدان الشرعية
ويأتي الموقف الفرنسي متناغمًا مع ردود فعل أوروبية أوسع، إذ سبقت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إلى التشكيك في “شرعية” مادورو، معتبرة أن استمراره في الحكم لم يعد يستند إلى تفويض شعبي حقيقي.
غير أن هذا التقاطع الأوروبي في توصيف الأزمة لم ينسحب على طريقة التعامل مع الحل، حيث حرصت باريس، شأنها شأن عواصم أوروبية أخرى، على التمييز بين المسؤولية السياسية لنظام مادورو والشرعية القانونية للتدخل العسكري الأميركي.
تحفّظ قانوني على العملية الأميركية
وفي لهجة محسوبة، انتقد وزير الخارجية الفرنسي العملية الأميركية، معتبرًا أنها “تخالف مبدأ عدم اللجوء إلى القوة الذي يشكّل أحد أسس القانون الدولي”.
وأكد بارو أن أي حل سياسي دائم لا يمكن أن يُفرض بالقوة، محذرًا من أن التدخلات الخارجية، مهما بدت مبررة أخلاقيًا أو سياسيًا، قد تفتح الباب أمام سابقة خطيرة تهدد النظام الدولي القائم على احترام السيادة.
وقال الوزير بوضوح: “الشعوب السيادية هي وحدها من تقرر مستقبلها”، في رسالة تعكس تمسك باريس بخط دبلوماسي تقليدي يوازن بين الواقعية السياسية والالتزام القانوني.
قلق فرنسي من تآكل قواعد النظام الدولي
ولم يُخفِ بارو قلق فرنسا من “تزايد انتهاكات مبدأ عدم استخدام القوة”، خصوصًا حين تصدر عن دول تتحمل “مسؤولية خاصة” بوصفها أعضاء دائمين في مجلس الأمن الدولي.
ورغم هذا القلق، شدد الوزير على أن باريس لن تتخلى عن مرجعيتها القانونية والأخلاقية، مجددًا التزام فرنسا الصارم بميثاق الأمم المتحدة باعتباره “البوصلة التي يجب أن توجه سلوك الدول، في كل زمان ومكان”.
بين الواقعية والشرعية
ويعكس الموقف الفرنسي محاولة دقيقة للموازنة بين الاعتراف بفشل نظام مادورو سياسيًا وأخلاقيًا، ورفض منطق الحسم العسكري الخارجي كوسيلة لتغيير الأنظمة.
وهي معادلة تعكس، في جوهرها، هواجس أوروبية أعمق من أن يؤدي تجاوز قواعد القانون الدولي إلى إضعاف ما تبقى من نظام عالمي قائم على التعددية، في لحظة تشهد فيها الساحة الدولية تصاعدًا مقلقًا لمنطق القوة.
وفي انتظار ما ستؤول إليه تداعيات اعتقال مادورو ونقله إلى نيويورك لمحاكمته بتهم “ناركو-إرهاب”، تواصل باريس التمسك بخط أحمر واضح: لا شرعية للاستبداد، ولا مشروعية لحلول تُفرض من الخارج.
