الاتحاد الأوروبي يريد منع المراهقين من استخدام مواقع التواصل..الفرنسيون غير مقتنعين

الاتحاد الأوروبي يريد منع المراهقين من استخدام مواقع التواصل..الفرنسيون غير مقتنعين

في وقت يتصاعد فيه الجدل داخل الاتحاد الأوروبي حول خطط لتحديد سنّ أدنى لاستخدام منصّات التواصل الاجتماعي، عبّر العديد من سكان العاصمة الفرنسية لصحيفة فرنسا بالعربي عن رفضهم أو تحفظهم تجاه دعوات البرلمان الأوروبي لفرض حظر شامل أو تقييد مشدد على وصول المراهقين إلى هذه المنصّات.

ويأتي هذا النقاش الحاد في ظل قلق متزايد من تأثيرات المحتوى الرقمي على الصحة النفسية للمراهقين، وتزامنًا مع سابقة عالمية تستعد لها أستراليا عبر سنّ أول قانون في العالم يمنع الأطفال دون سن 16 من استخدام مواقع التواصل.

جيل رقمي… بين الحرية والخطر

في شوارع باريس، حيث تتحول شاشات الهواتف إلى امتداد طبيعي لأيدي الشباب، بدا واضحًا أن الجيل الجديد ينظر إلى هذه المنصّات بمنظار مختلف. فعلى أرصفة الحي اللاتيني وحول جامعة السوربون، ووسط حركة لا تهدأ في المترو، يؤكد المراهقون والشباب أن المنصّات الرقمية ليست مجرد تسلية، بل فضاء للتواصل والتعلم وتشكيل الهوية.

يقول لوسيان فريزون، طالب السينما البالغ من العمر 21 عامًا، إن المسألة معقدة وليست أحادية الاتجاه:

“الأمر يحمل جانبًا إيجابيًا وآخر سلبيًا. صحيح أن الأطفال قد يتعرضون لأفكار ضارة أو محتويات قد تغرس قيماً غير مناسبة، لكن في الوقت نفسه، إتاحة استخدام المنصات لهم تسمح لهم بالتعلم بأنفسهم، ومعرفة ما يجب فعله وما يجب تجنبه، وكيفية استخدام الشبكات بذكاء. المهم هو مرافقة هؤلاء الشباب، وليس قطع الإنترنت عنهم.”

وتتفق معه كولين رو-ميسنار، طالبة الرقص ذات الـ19 عامًا، التي ترى أن المنع الكامل ليس عمليًا:

“وسائل التواصل أصبحت وسيلة أساسية للتواصل. لديّ أصدقاء لم يكونوا يستخدمونها وشعروا بالعزلة. المشكلة ليست في المنصات نفسها، بل في المحتويات العنيفة ومشاهد الحروب التي يجب توضيحها ووضع قيود صارمة عليها. المنع ليس الحل، بل التوعية.”

أصوات الأهالي: بين القلق والمسؤولية

وبينما ينقسم الشباب، فإن شريحة واسعة من الأهالي ترفض فكرة المنع القسري، وتعتبر أن الحل يبدأ داخل البيوت وليس عبر تشريعات فوقية.

يقول كريستيان ليما، مدير في مجال التنمية المستدامة وأب لثلاثة أطفال:

“المنع المطلق إجراء مبالغ فيه. نحن بحاجة إلى ضوابط، نعم، لكن مع تحميل الآباء والأمهات جزءًا من المسؤولية. يمكن سنّ قوانين على أعلى مستوى، ولكن لا يمكن إعفاء الأهل من دورهم الأساسي في مراقبة ما يشاهده أبناؤهم.”

ويضيف بلهجة لافتة:

“فصل الأطفال تمامًا عن الشبكات حتى بلوغهم 18 عامًا يعني رميهم فجأة في عالم شديد التعقيد دون أي خبرة أو تأطير. هذا النوع من القرارات قد يضر أكثر مما ينفع.”

من جانبه، يرى كريستوف شيري، مدير مالي وأب لثلاثة أبناء أكبر سنًا، أن المنصّات ليست كلها سلبيات:

“أولادي عايشوا بدايات وسائل التواصل ولم يتضرروا منها. ابنتي مثلاً تعرّفت على العديد من الكتب الكلاسيكية عبر هذه المنصات. المشكلة ليست في الشبكات نفسها بل في خطاب الكراهية المنتشر عليها. يجب محاربته وليس منع المنصات بالكامل.”

بين بروكسل وباريس… فجوة واضحة

يأتي موقف الباريسيين في وقت يتصاعد فيه الضغط داخل البرلمان الأوروبي لسنّ تشريعات تحدد الحدّ الأدنى للعمر المسموح للمراهقين باستخدام الشبكات الرقمية، كإجراء للحد من موجة اضطرابات الصحة النفسية التي تُعزى لمحتويات العنف والتنمر والقيود الاجتماعية الرقمية.

ورغم دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سابقًا إلى حظر المنصات للأطفال تحت 15 عامًا، لا يزال تنفيذ هذه السياسات غير واضح على مستوى الاتحاد الأوروبي، إذ تبقى التشريعات المحلية من اختصاص كل دولة عضو على حدة.

بين التوعية والمنع… نقاش مستمر

وبينما تتجه دول كأستراليا والدنمارك وماليزيا نحو المنع، يبدو الشارع الفرنسي غير مقتنع بهذا الحل، فالمعركة اليوم، كما يراها كثيرون، ليست ضد الهواتف أو التطبيقات، بل ضد المحتوى الضار، وضد غياب التربية الرقمية داخل المدارس وفي البيوت.

وفي مدينة يعيش أهلها على إيقاع سريع لا ينفصل عن التكنولوجيا، ربما يصعب تخيّل باريس من دون هواتف مضيئة في كل زاوية.

لكن الجدل مستمر، بين من يطالب بفرض حماية صارمة للمراهقين، ومن يرفض العزل، داعيًا إلى مرافقة تربوية ورقابة ذكية بدل حظر شامل قد يخلق فجوة أكبر بين الأجيال.

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may also like

الإمام حسن الشلغومي يسقط مغمى عليه وسط المحكمة أثناء شهادته اضد المتهمين في اغتيال المدرس صامويل باتي

في واحدة من أكثر الجلسات توتراً وإثارة منذ