في كل عام، يُفترض أن يكون إعلان دخول شهر رمضان لحظة خشوع جامعة، لحظة ينتصر فيها المعنى الروحي على ضجيج الدنيا.
لكن للأسف في فرنسا، تحوّلت هذه اللحظة إلى عرض مسرحي رديء الإخراج، تتقاطع فيه حسابات النفوذ، وحساسيات السياسة، وصراعات الزعامة، فوق رؤوس المصلين الذين لا يريدون أكثر من معرفة: متى نصوم؟
الهيئة الرسمية المكلّفة بتمثيل المسلمين، أي المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، أعلنت – بعد تنسيق علمي مع مؤسسة طقس فرنسا – أن هلال رمضان لم يُرصد، حتى باستخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة.
بيان مؤسساتي، مدعوم بالعلم، ينسجم مع منطق الدولة الحديثة التي تعيش فيها الجالية.
لكن، وكأننا في حلقة من مسلسل عبثي، قرر مسجد باريس الكبير أن يغرد خارج السرب، معلنًا أن الأربعاء هو أول أيام الصيام.
والنتيجة في المدينة الواحدة، بل في الحي الواحد أحيانًا، مسجد يصلي التراويح وآخر ينتظر.
أسرٌ واحدة اختلفت على موعد السحور. أطفال يسألون: لماذا جارنا صائم اليوم ونحن غدًا؟ أي صورة هذه التي نرسمها لدين يُفترض أنه يجمع ولا يفرّق؟
المسألة هنا لم تعد خلافًا فقهيًا مشروعًا حول الرؤية والحساب. هذا الخلاف قديم ومفهوم، وله أصوله ومدارسه. لكن ما جرى أقرب إلى “ليّ ذراع” مؤسساتي، حيث تُستدعى السياسة إلى مائدة الإفطار، ويُزجّ بصراعات الزعامة في قلب شعيرة دينية خالصة.
من المؤسف أن يتحول الهلال إلى ورقة نفوذ، وأن يصبح إعلان الصيام بيانًا سياسيًا مقنّعًا.
و كأن لسان الحال يقول: “لن نقبل قرارًا يصدر عن جهة لا تعجبنا تركيبتها أو رئاستها”.
وهكذا تُختزل شعيرة عمرها أربعة عشر قرنًا في حسابات من يرأس ومن يُقصى، ومن ينتصر رمزيًا على من.
أليس من المفارقة أن يُستدعى العلم حين يخدم موقفًا، ويُستبعد حين لا يوافق هوى القرار؟ أليس من التناقض أن نطالب الدولة الفرنسية باحترام “تمثيل المسلمين”، ثم نُسقط هذا التمثيل بأيدينا عند أول اختبار رمضاني؟
ما معنى هيئة رسمية تضم آلاف المساجد إذا كان قرارها يُعامل كوجهة نظر قابلة للتجاهل فورًا؟
الأخطر من ذلك هو الرسالة الموجَّهة إلى الجيل الجديد من المسلمين في فرنسا.
هذا الجيل الذي وُلد هنا، وتعلّم هنا، ويبحث عن إسلام منظم، عقلاني، مندمج في مؤسسات الدولة الحديثة، يجد نفسه أمام مشهد أقرب إلى صراعات القنصليات منه إلى مجالس الفقه.
بدل أن يرى مؤسسات تتكامل، يرى كيانات تتصارع. بدل أن يشهد وحدة في التنوع، يشهد فوضى في القرار.
لقد أصبح من المشروع أن نسأل: هل نحن أمام مؤسسات دينية تخدم المسلمين في فرنسا، أم أمام امتدادات رمزية لتجاذبات سياسية عابرة للحدود؟
وهل يعقل أن تُحشر خلافات السياسة في صلب عبادة فردية جماعية، فقط لأن هذا الطرف لم يستسغ أن يمر القرار عبر تلك الجهة؟
المشهد، بصراحته المؤلمة، يثير السخرية المبكية..أمة تختلف على يوم الصيام في الحي ذاته، بينما تعيش في دولة واحدة، وتخضع لقوانين واحدة، وتستعمل تقويمًا واحدًا، بل وتستند إلى المؤسسة العلمية نفسها لرصد الهلال!
ومع ذلك، ينتصر “الاعتبار السياسي” على المعطى العلمي، وتُغلب الحسابات الضيقة على مصلحة الجالية.
رمضان ليس ساحة لإثبات من الأقوى إداريًا، ولا منصة لتصفية الحسابات الرمزية. إنه شهر عبادة، تضامن، وتزكية. وعندما يتحول إلى مناسبة لإظهار الانقسام، فإن الخلل لا يكون في الهلال، بل في البوصلة.
إن إقحام السياسة في تفاصيل شعيرة دينية يفرغها من معناها، ويحوّلها إلى أداة في صراع لا علاقة له بروح الصيام.
من أراد حقًا خدمة المسلمين في فرنسا، فليبدأ بتحرير الشعائر من صخب السياسة، وبناء مؤسسات تحترم قراراتها، أو على الأقل تدير خلافها بقدر من المسؤولية والاتزان.
أما أن نبقى كل عام أمام “رمضانين” في مدينة واحدة، فهذا ليس تنوعًا فقهياً يُحتفى به، بل انقسامًا إداريًا يُخجل منه.
والوحدة لا تُفرض بالقوة، لكنها أيضًا لا تُبنى بالعناد.
وبين العناد والوحدة، يضيع المعنى… ويضيع معه ما كان يفترض أن يكون شهرًا يجمع القلوب لا يفرّقها.
