انقسم إعلان صوم شهر رمضان في فرنسا هذا العام بشكلٍ لافت، بعد صدور بيانين رسميين يحددان تاريخين مختلفين لبداية الشهر الفضيل، رغم أن رمضان واحد، ما أعاد إلى الواجهة الجدل المتكرر حول المرجعية الدينية والتمثيل المؤسسي للمسلمين في البلاد.
فقد أصدر المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية بيانًا رسميًا حدّد فيه موعد انطلاق الصيام استنادًا إلى المنهجية التي يعتمدها منذ سنوات، والتي تقوم أساسًا على الحسابات الفلكية المسبقة بهدف توحيد الرؤية وتجنب الارتباك السنوي.
ويُعد المجلس الجهة التي تعترف بها الدولة الفرنسية ممثلًا رسميًا للمسلمين في القضايا الدينية، ويضم في تركيبته أكثر من 2500 مسجد ومصلّى موزعة عبر مختلف المدن الفرنسية. ويرأس المجلس المغربي محمد موساوي، الذي انتُخب من قبل ممثلي المساجد الأعضاء، ما يمنحه شرعية انتخابية داخل الإطار المؤسسي للمجلس.
وفي هذا السياق، أوضح المجلس أنه استند في تحديد بداية الشهر إلى معطيات علمية دقيقة، بالتعاون مع خبراء فلك، مستعينًا بخدمات هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية Météo-France في ما يتعلق ببيانات الرصد الفلكي وظروف الرؤية، وذلك لتعزيز الطابع العلمي لاعتماد الحسابات الفلكية في مراقبة الهلال، بما ينسجم – وفق المجلس – مع تطور وسائل الرصد الحديثة ويحقق قدرًا أكبر من الدقة والوضوح للمسلمين في فرنسا.
ويؤكد متابعون أن المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، بحكم اعتراف الدولة به كشريك رسمي في إدارة الشأن الديني الإسلامي، يُعد الجهة المرجعية التي يُفترض بمسلمي فرنسا اتباع قراراتها في ما يتعلق بتنظيم المناسبات والشعائر الدينية، وذلك حفاظًا على وحدة الصف وتفادي ازدواجية الإعلانات التي تتكرر في كل موسم رمضاني.
في المقابل، خرج مسجد باريس عن هذا الإعلان، وأصدر بيانًا منفصلًا حدد فيه تاريخًا مغايرًا لأول أيام رمضان، مستندًا إلى مقاربة مختلفة في تحديد بدايات الأشهر الهجرية، سواء عبر اعتماد إعلان ثبوت الرؤية أو التنسيق مع جهات دينية أخرى خارج فرنسا.
ويرأس المسجد الجزائري حفيظ شمس الدين، الذي يُعيَّن بدعم من السلطات الجزائرية، في ظل نفوذ إداري وديني تمارسه الجزائر على هذه المؤسسة منذ عقود.
ويُعد مسجد باريس من أبرز المعالم الإسلامية في أوروبا، ويتمتع برمزية تاريخية كبيرة داخل الجالية المسلمة في فرنسا، غير أنه لا يتمتع بصفة تمثيلية رسمية أمام السلطات بعد انسحابه سابقًا من عضوية المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية.
ويرى مراقبون أن هذا الوضع يخلق ازدواجية في المرجعية بين مؤسسة ذات اعتراف رسمي وانتخاب داخلي، وأخرى ذات ثقل رمزي وتاريخي واسع.
ويكتسب الخلاف بُعدًا إضافيًا عند استحضار الخلفية التاريخية للمسجد، إذ تشير روايات تاريخية إلى أن تشييده تم بدعم مغربي وبتوجيه من الملك المغربي الراحل الحسن الثاني، في إطار تعزيز الحضور الديني المغربي في فرنسا، قبل أن تتعزز لاحقًا علاقته الإدارية بالجزائر. هذا التداخل التاريخي بين أبعاد مغاربية مختلفة ينعكس، بحسب مراقبين، على التوازنات داخل المشهد الإسلامي الفرنسي.
ويأتي هذا الانقسام في سياق أوسع يتعلق بكيفية تنظيم الشأن الديني الإسلامي في فرنسا، البلد الذي يقوم نظامه على مبدأ العلمانية الصارمة وفصل الدين عن الدولة، حيث تعتمد السلطات على المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية كشريك مؤسساتي في إدارة الملفات الدينية، من بينها شؤون المساجد، وتكوين الأئمة، وتنظيم بعض الجوانب المرتبطة بالشعائر.
ورغم أن الخلاف في ظاهره فقهي وتقني يتعلق بطريقة إثبات دخول الشهر، فإنه يعكس في عمقه تحديات أوسع تتصل بوحدة التمثيل الديني، وتعدد المرجعيات، وتأثير الخلفيات الوطنية المتنوعة للمسلمين في فرنسا، الذين ينحدرون من أصول مغاربية وأفريقية وآسيوية متعددة.
وفي ظل صدور بيانين بتاريخين مختلفين لبداية شهر واحد، يجد المسلمون في فرنسا أنفسهم مجددًا أمام خيارين متباينين لإعلان الصيام، ما يطرح تساؤلات متكررة حول إمكانية توحيد المرجعية الدينية مستقبلاً، وتجاوز الانقسامات المؤسسية بما يضمن خطابًا موحدًا في المناسبات الدينية الجامعة.