شنَّ مزارعون فرنسيون احتجاجات غير عادية في العاصمة الفرنسية ، إذ قادوا نحو 100 جرّار زراعي إلى قلب باريس، واقتحموا الشوارع وضاقوا الخناق على الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان)، مطالبين باستقالة قيادتها وبتغيير جذري في سياسات الحكومة تجاه الزراعة واتفاقية الاتحاد الأوروبي–ميركوسور للتجارة.
بدلاً من أن تبقى أصواتهم محصورة في الحقول، ظهر المزارعون صباحًا وهم يدفعون حدود الاحتجاج إلى أقصى حدودها، إذ تجاوزوا حواجز الشرطة وتوغّلوا داخل العاصمة، متجهين مباشرةً نحو مقر البرلمان، في مشهد يشبه اقتحامًا رمزيًا للسلطة.
البرلمان تحت الحصار… ورئيسته تتعرّض للإساءة
حين وصلت القوافل إلى بوابات الجمعية الوطنية، لم تكتفِ الجرارات بإغلاق الشوارع المحيطة، بل شهدت ساحة البرلمان مواجهات حادة بين المزارعين وضباط الأمن، وسط هتافات وصيحات وعلامات احتجاج لافتة.
وعندما خرجت راعية المجلس الوطني، يائيل براون-بيفيه، إلى بوابات البرلمان للتفاوض مع ممثلي المحتجين، واجهتهم بصيحات الاستهجان ودفعوا بعضهم البعض في مشهد صادم يكشف عمق الغضب المتراكم لدى الفلاحين.
اشتدت حدة الاحتجاج بعد أن رفعت مجموعات من المزارعين لافتات تهاجم السياسة الزراعية للحكومة وتصفها بـ«التجاهل المطلق لمصالح الفلاحين»، كما أثارت شعاراتهم السخرية من القادة الأوروبيين الذين يدفعون باتجاه اتفاقية ميركوسور التجارية المثيرة للجدل، معتبرين أن هذه الصفقة «موت محقق للزراعة الفرنسية».
خلفية الأزمة… جدل سياسي وزراعي
تنظيم الاحتجاجات جاء تحت راية نقابة “التنسيق الريفي” الزراعية، التي طالبت الحكومة بالتراجع عن دعمها لاتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي وتكتل ميركوسور الأميركي الجنوبي، خشية أن تفيض الأسواق الأوروبية بمنتجات أرخص وتقلّص هوامش أرباح المزارعين المحليين.
كما شكّل الاحتجاج في باريس نقطة تصعيد سياسية واسعة، حيث زادت الضغوط داخل الأوساط الحكومية، حتى أن الرئيس إيمانويل ماكرون أعلن أن فرنسا ستصوّت ضد اتفاق ميركوسور رغم استمرار محاولات بروكسل للمضي قدماً في العرض.
رسائل احتجاجية صارخة
لم تكن الشعارات المرفوعة أمام البرلمان عادية، حيث حمل المزارعون لافتات تنتقد القيادة السياسية وتتهمها بـ«خيانة الفلاح الفرنسي»، بينما روّج بعضهم لخطابات أكثر حدة ضد ما يُعتبر سياسات تدفع بالعامل الزراعي نحو الانهيار.
حركة المزارعين في باريس جاءت في وقت تصطف فيه دول الاتحاد الأوروبي، بعضها مع الصفقة وبعضها ضدها، ويُتوقع أن يتقرر مصير الاتفاقية خلال أيام، ما يجعل هذه الاحتجاجات محطة مفصلية في النقاش السياسي حول مستقبل الزراعة والسياسة التجارية داخل الاتحاد.
في الختام
الباريسيون لم يشهدوا من قبل مثل هذا النوع من الغضب الزراعي في قلب السلطة التشريعية. محاصرة البرلمان الفرنسية وإحراج رئيسته أمام أنظار العالم ليس مجرد احتجاج عادي، بل رسالة قوية بأن المزارعين الفرنسيين صاروا قوة تضغط مباشرة على صانع القرار السياسي في بلد ما زال يحتفظ بقدسية مؤسساته.