باريس تُقلبها الجرارات…احتجاجات زراعية غير مسبوقة تهز العاصمة الفرنسية

باريس تُقلبها الجرارات…احتجاجات زراعية غير مسبوقة تهز العاصمة الفرنسية

اجتاح مزارعون فرنسيون  شوارع العاصمة باريس بــ أكثر من مائة جرّار زراعي في احتجاج واسع النطاق ضد اتفاقية الاتحاد الأوروبي–ميركوسور التجارية المثيرة للجدل، مما أحدث شللاً مروريًا وأثار توترًا سياسيًا داخليًا وأوروبيًا كبيرًا.

في ساعات الفجر الأولى، تمكنت قوافل المزارعين من اختراق نقاط التفتيش الشرطية ودخول قلب العاصمة، حيث توقفت الجرارات على **الشانزليزيه، حول قوس النصر، وأمام برج إيفل، في رمزية احتجاجية تحمل رسالة قوية للمجتمع السياسي في فرنسا وبروكسل.

غضب متصاعد ضد ميركوسور

المزارعون ينظمون تحركاتهم تحت راية اتحاد “التنسيق الريفي” الذي يقود رفضًا قاطعًا لاتفاقية ميركوسور التي تربط الاتحاد الأوروبي بتكتل دول أمريكا الجنوبية (البرازيل، الأرجنتين، أوروغواي، باراغواي). هؤلاء يرون أن تحرير التجارة مع هذه الدول سيؤدي إلى فيضان سلع زراعية أرخص في السوق الأوروبية، من شأنه أن يفرّط في قدرة الفلاح الفرنسي على المنافسة ويُضعف اقتصاد القطاع الزراعي المحلي.

وقال برتراند فانتو، رئيس ثاني أكبر اتحاد زراعي في البلاد: «لقد أنجزنا المهمة» بعد دخول الجرارات إلى العاصمة، مطالبًا بعقد اجتماعات مع قادة البرلمان لشرح ما وصفه بالمساهمة في “موت الزراعة الفرنسية”.

أسباب الأزمة… أكثر من مجرد اتفاق تجاري

تجاوز غضب المزارعين حدود الاتفاق التجاري وحده، ليشمل سلسلة من المعوقات الاقتصادية والبيروقراطية التي تواجه القطاع الزراعي في فرنسا:

  • ارتفاع تكاليف الإنتاج بشكل حاد، خاصة الأسمدة والطاقة.

  • انخفاض أسعار القمح والحبوب في الأسواق العالمية، مما يضغط على هوامش الربح.

  • تفشّي أمراض المواشي مثل التهاب الجلد العقدي، مما أثار استياء المزارعين من سياسات الحكومة في الاحتواء والرعاية.

  • مخاوف من انتهاك المعايير الأوروبية الصارمة للسلامة الغذائية مقابل سلع منخفضة التكلفة من الخارج.

هذه العوامل مجتمعة تُظهر أن حركة المزارعين ليست احتجاجًا عابرًا، بل تعبيرًا عن أزمة بنيوية عميقة في قطاع يشكّل أحد أعمدة الاقتصاد الفرنسي التقليدي.

ردود فعل الحكومة والسلطات

وصف الحكومة الفرنسية حركة الجرارات داخل باريس بأنها خطوة “غير مقبولة” ووصفتها بعض المؤسسات الرسمية بأنها غير قانونية، بينما يحاول المسؤولون الحفاظ على النظام العام وتجنّب المواجهات المباشرة مع المحتجين.

في المقابل، أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون أن فرنسا ستصوت ضد اتفاقية ميركوسور أثناء تصويت على مستوى الاتحاد الأوروبي، في محاولة لطمأنة المزارعين. ومع ذلك، يبقى التصويت في الاتحاد الأوروبي ممكنًا عبر نظام الأغلبية المؤهلة، حتى في حال معارضة باريس، في ظل دعم من دول مثل ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا.

ضغط سياسي داخلي وأوروبي

لم تقتصر تبِعات الأزمة على الشارع فقط، إذ أعلن تحالف من الأحزاب المعارضة في البرلمان الفرنسي – من أقصى اليمين إلى اليسار – عن طلبات لحجب الثقة عن الحكومة بسبب تعاملها مع قضية ميركوسور، مما يزيد من حالة عدم الاستقرار السياسي في باريس قبيل الانتخابات القادمة.

في قلب العاصمة… رمزية دلالية

التحرك الذي استخدم فيه المزارعون الجرارات بدلًا من اللافتات وحدها، ووقوفهم عند أبرز معالم العاصمة مثل الشانزليزيه، قوس النصر وبرج إيفل، أضفى على الاحتجاج بعدًا رمزيًا وقوة بصرية غير مسبوقة، تُظهِر أن المزارع الفرنسي لم يعد يكتفي بالشكوى في الحقول، بل قرّر أن يرفع صوته في قلب السلطة السياسية والتاريخية لبلاده.

خلاصة… إلى أين تتجه الأمور؟

بين وعود متأخرة من الحكومة، وضغوط سياسية داخلية وأوروبية، يبقى السؤال: هل ستسمع السلطات مطالب المزارعين أخيراً؟ أم ستبقى الأزمة معلّقة حتى يُكتب لها أن تتصاعد أكثر؟

واحدة تبقى مؤكدة حتى الآن، وهي أن صوت المزارع الفرنسي لم يعد خافتًا… بل أصبح مؤثرًا ومتصاعدًا في شارع العاصمة.

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may also like

مارين لوبان في عَينِ العاصفة : القَضاءَ يَقْتَرِبُ مِنْ حِرمانِها من حُلمِ حُكْمِ فرنسا

عادت مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا،