مرّر النواب في الجمعية الوطنية الفرنسية، وبفارقٍ ضئيل لا يتجاوز 13 صوتًا فقط، ميزانية الضمان الاجتماعي لعام 2026، مانحين رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو انتصارًا ثمينًا، لكنه محمّل بالأعباء السياسية وقد يتحول إلى شرارة أزمة حكومية جديدة.
بعد لحظات من الصمت المشحون، أعلنت رئيسة الجمعية الوطنية يايل برون ـ بيفيه نتيجة التصويت:
247 صوتًا مع الميزانية مقابل 234 ضدها. وبذلك تنجو الحكومة من اختبار بالغ الحساسية في برلمان منقسم لا يمتلك فيه أي حزب الأغلبية.
انتصار بثمن باهظ… وتصاعد الغضب داخل المعسكر الحاكم
جاء تمرير الميزانية بعد سلسلة من التنازلات المكلفة التي قدمها لوكورنو لضمان دعم الاشتراكيين، أبرزها تجميد إصلاح الرئيس إيمانويل ماكرون المتعلق بنظام التقاعد حتى ما بعد انتخابات 2027، وهو تنازل أثار غضب الكتل الوسطية واليمينية التي رأت فيه “منعطفًا خطيرًا” سيزيد من هشاشة المالية العامة.
وقال رئيس الكتلة الاشتراكية بوريس فالو في كلمته إن التصويت لصالح المشروع “جاء دفاعًا عن المصلحة العامة، وعن خدمات الصحة العامة، ولأنه ثمرة تسوية جمهورية ضرورية”.
لكن في المقابل، شنّ اليمين المتطرف هجومًا عنيفًا. فقد وصف نائب التجمع الوطني كريستوف بينتز الميزانية بأنها “غير عادلة اجتماعيًا وضارة اقتصاديًا”، معلنًا رفضًا قاطعًا لها.
انقسامات حادة… وكتل تمتنع كي لا تنهار الحكومة
بدت الجمعية الوطنية أقرب إلى لوحة سياسية متشظية:
-
الوسطيون أكدوا أنهم سيقبلون “النصّ الناقص” لتجنّب الشلل.
-
الاشتراكيون صوّتوا تأييدًا بعد ضمانات سياسية من الحكومة.
-
الخضر امتنعوا بدعوى “تحقيق تقدم جزئي في تمويل المستشفيات”.
-
اليمين الجمهوري أعلن امتناعًا “لحماية القطاع الصحي من دخول المجهول”.
-
أما فرنسا الأبية فاتهمت الحكومة بأنها “تتسبب بزيادة في أقساط التأمين الصحي على المواطنين اعتبارًا من الأول من يناير”.
ووسط تلك التناقضات، حذّر نواب الوسط – وخاصة كتلة “آفاق” بقيادة بول كريستوف – من أن تمرير الميزانية لا يجب أن يُفسَّر كضوء أخضر “للعمى السياسي أو الانزلاق المالي”.
ميزانية تمر… لكن العاصفة لم تهدأ
رغم النجاح في تمرير نصّ الضمان الاجتماعي، يبقى أمام لوكورنو التحدي الأكبر: تمرير الميزانية العامة للدولة قبل نهاية العام، وهو الملف الذي قد يدفع مزيدًا من الحلفاء للابتعاد عنه بعد تنازلاته الأخيرة.
ويُذكر أن المعارك المالية في البرلمان أطاحت بثلاث حكومات منذ أن فقد ماكرون أغلبيته عقب الانتخابات المبكرة الماضية، أبرزها حكومة ميشيل بارنييه التي سقطت في تصويت بحجب الثقة بسبب ميزانية العام الماضي.
ثغرة مالية بقيمة 20 مليار يورو… وقطاع اجتماعي يلتهم 40% من الإنفاق العام
رغم إقرار مشروع الضمان الاجتماعي، يبقى العجز المتوقع قريبًا من 20 مليار يورو، في وقت تمثّل فيه منظومة الضمان الاجتماعي أكثر من 40% من حجم الإنفاق العام الفرنسي، ما يضع الحكومة أمام ضغط اقتصادي غير مسبوق.
الموازنة المقرّة تضمن تمويلًا لقطاعات الصحة والتقاعد والرعاية الاجتماعية، لكنها، وفق خبراء، “لا تعالج أصل المشكلة بل تؤجّلها”.
ماذا بعد ؟
في النهاية، خرج لوكورنو من معركة البرلمان منتصرًا… لكنه انتصار هشّ، فالتسوية التي أنقذت ميزانية 2026 قد تكون هي نفسها الثمن السياسي الذي ستدفعه الحكومة لاحقًا، في برلمان لا يرحم، ومشهد سياسي فرنسي يزداد تعقيدًا بضغطة تصويت واحدة.