شهدت مدينة بيزييه في جنوب فرنسا خروج آلاف مزارعي العنب والنبيذ في مظاهرة واسعة عبّروا خلالها عن غضبهم العميق من الظروف الاقتصادية والمناخية التي تهدد قطاعهم التاريخي.
و سار المحتجون في شوارع المدينة مردّدين شعارات تطالب الحكومة بالتدخل العاجل لإنقاذ المزارع الصغيرة والمتوسطة التي تواجه انهيارًا في أسعار النبيذ، وتراجعًا حادًا في الإنتاج، وارتفاعًا في تكاليف التشغيل، إلى جانب منافسة خارجية تعتبرها النقابات الزراعية غير عادلة.
تقديرات المشاركين تحدثت عن مشاركة نحو ستة آلاف مزارع، بينما قدّرت السلطات العدد بأربعة آلاف على الأقل، في واحدة من أكبر التحركات التي يشهدها القطاع منذ سنوات.
وشارك في المسيرة عدد من ممثلي النقابات الزراعية الفرنسية، إلى جانب رئيس بلدية بيزييه المثير للجدل روبير مينار، الذي سار إلى جانب المزارعين رافعًا مطالبهم بضرورة حماية المنتج المحلي في مواجهة الاتفاقيات التجارية الدولية، خصوصًا اتفاق “ميركوسور” الذي يرى كثيرون أنه يشكّل تهديدًا مباشرًا للإنتاج الأوروبي.
وسط دخان قنابل ملونة بالأسود والأخضر، كانت المزارعة سيلين ميشيلون واحدة من أبرز الأصوات التي أثّرت في الحشود، وهي تتحدث بمرارة عن أسوأ موسم حصاد شهدته في حياتها المهنية التي تمتد لخمسة وعشرين عامًا. أكدت سيلين أن محصول عام 2025 كان الأصغر على الإطلاق، حتى مقارنة بعام 2021 الذي ضربه الصقيع، مشيرة إلى أن ثلاثة خزانات كاملة من إنتاجها لعام 2024 لا تزال غير مباعة بسبب الركود وغياب الطلب.
وقالت إن أسعار بيع النبيذ لم تتحرك منذ خمسة عشر عامًا، بينما ارتفعت كلفة الإنتاج بما لا يقل عن 25%، الأمر الذي جعل كثيرين عاجزين حتى عن تسديد فواتيرهم أو الاستمرار في العمل.
التغير المناخي كان أحد العوامل الأكثر حضورًا في حديث المشاركين؛ فقد وصف المزارع جان باسكال بيلاجاتي كرومه بأنها “تتغير أمام عينيه”، مشيرًا إلى أن بعض القطع الزراعية لم تعد تنتج على الإطلاق بسبب الغياب شبه الكامل للأمطار وتكرار موجات الحرارة خلال الصيف.
وأوضح أن الري بالتنقيط، الذي كان يومًا ما خيارًا تقنيًا لتحسين الإنتاج، أصبح اليوم وسيلة أساسية للبقاء. واضطر بيلاجاتي إلى تنويع مصادر دخله عبر افتتاح دار ضيافة تعتمد على السياحة لتسويق النبيذ بعد أن بات بيع المحصول وحده غير كافٍ لضمان الاستمرار.
أرقام وزارة الزراعة الفرنسية توضح حجم الأزمة، إذ بلغ إنتاج النبيذ لعام 2025 نحو 36.2 مليون هكتولتر، وهو مستوى منخفض مماثل لإنتاج العام السابق، ويقل بنسبة 16% عن متوسط الإنتاج خلال السنوات الخمس الماضية.
كما تكشّف الأرقام عن تراجع كبير في مناطق مثل أوكيتاني، حيث أدى انخفاض الاستهلاك المحلي واشتداد المنافسة العالمية إلى مزيد من الضغوط على المزارعين.
وفي ختام التحرك، دعا المتظاهرون الحكومة إلى إقرار آليات دعم جديدة، تشمل تخفيف الضرائب والرسوم، وإعادة النظر في القيود التنظيمية، وتعزيز “العدالة في المنافسة” بين المنتجات الأوروبية والأجنبية.
ورغم أن الحكومة أشارت إلى مساعدات قدمتها للقطاع خلال السنوات الأخيرة تجاوزت قيمتها مليار يورو، فإن المزارعين يرون أن هذه الإجراءات لم تعد كافية لإنقاذ صناعة تُعد جزءًا من الهوية الفرنسية ورافدًا مهمًا لاقتصاد البلاد.