شهدت بلدة سانت-إينيان الواقعة في إقليم لوار وشير بوسط فرنسا، ولادة فيلة صغيرة تزن نحو مئة وخمسين كيلوغراماً داخل حديقة حيوان زوبارك دو بوفال، إحدى أكبر وأشهر حدائق الحيوانات في أوروبا.
اللحظات الأولى لم تكن سهلة. فعملية الولادة وُصفت بـ«الدقيقة والمعقدة»، وكادت تتحول إلى مأساة حقيقية، قبل أن تنجح جهود الطاقم البيطري والحراس في إنقاذ الأم ومولودتها.
بداية صعبة… وآمال كادت تتلاشى
داخل الحظيرة المخصصة للفيلة، تجمّع الأطباء البيطريون وحراس الحديقة منذ الساعات الأولى من المخاض. كانت المؤشرات الأولى مقلقة، وتدهورت حالة الأم بشكل مفاجئ، ما دفع الفريق إلى التركيز أولاً على إنقاذ حياتها.
مدير الحديقة، رودولف دولور، وصف اللحظات الأولى قائلاً إن البداية «كانت سيئة جداً»، وإن الفريق «كاد يفقد الأمل»، مضيفاً أن الجميع حاول في الدقائق الأخيرة إنقاذ حياة الأم قبل التفكير في أي شيء آخر.
لكن المفاجأة السعيدة جاءت بولادة أنثى صغيرة، ضخمة الحجم مقارنة بالمواليد المعتادة، إذ بلغ وزنها نحو مئة وخمسين كيلوغراماً، وهو وزن كبير للغاية بالنسبة لفيلة حديثة الولادة.
لحظات المساعدة الأولى… بين القلق والاحتضان
وأظهرت المشاهد الأولى بعد الولادة حراس الحديقة وهم يحيطون بالمولودة، يفركون جسدها الصغير بحرص لتحفيز الدورة الدموية، ويشجعونها على الوقوف.
بعد محاولات متكررة، استطاعت الفيلة الصغيرة الوقوف على قوائمها المترنحة، وسط تصفيق واحتضان من الفريق الذي عاش ساعات من التوتر. كانت تلك اللحظة إعلاناً رسمياً عن نجاح المهمة.
الأم، التي تُدعى «ندالا»، لم تفارق صغيرتها لحظة واحدة. وعلى الرغم من أنها فاقدة للبصر، فإنها أظهرت سلوكاً أمومياً لافتاً، إذ ظلت تتحسس صغيرتها بخرطومها وبأقدامها للتأكد من وجودها إلى جانبها.
أم كفيفة… وغريزة أمومة لا تخطئ
أحد الحراس أوضح أن «ندالا» تعتمد على حاستي اللمس والشم لتعويض فقدان البصر، وهي تتحقق باستمرار من أن صغيرتها بجانبها، مستخدمة خرطومها أو قدميها لتشعر بحركتها.
هذا السلوك أثار إعجاب الطاقم، الذي أكد أن الأم أثبتت أنها «أم ممتازة»، إذ سارعت إلى توجيه صغيرتها نحو الغدة اللبنية، حيث بدأت الفيلة الصغيرة أولى محاولات الرضاعة، في مشهد مؤثر يعكس انتصار الحياة.
اللقطات أظهرت الصغيرة وهي تقف تحت بطن أمها، تحاول التوازن بينما تبحث عن الحليب، قبل أن تنجح في التقاط أولى جرعات الغذاء الطبيعي، في خطوة أساسية لتعزيز مناعتها في أيامها الأولى.
أهمية الحدث… بيئياً وعلمياً
تُعد ولادة فيلة في الأسر حدثاً نادراً نسبياً، ويتطلب مراقبة دقيقة تمتد لأشهر طويلة قبل وبعد الولادة. وتكتسب هذه الولادة أهمية خاصة نظراً لحالة الأم الصحية وفقدانها للبصر، ما جعل التحدي مضاعفاً أمام الفريق البيطري.
حديقة زوبارك دو بوفال في سانت-إينيان تُعرف ببرامجها المتقدمة في حماية الأنواع المهددة بالانقراض، وتشارك في مشاريع أوروبية للحفاظ على الفيلة الآسيوية والأفريقية ضمن بيئات خاضعة للمراقبة العلمية.
فرحة تعمّ فرنسا
الخبر انتشر بسرعة في وسائل الإعلام الفرنسية، وتحوّلت صور الفيلة الصغيرة إلى مادة رئيسية على المنصات الرقمية، حيث عبّر الآلاف عن إعجابهم بقصة الولادة التي بدأت بالخوف وانتهت بالأمل.
وبينما تواصل «ندالا» السير بجوار صغيرتها داخل الحظيرة، يراقب الفريق البيطري تطورات حالتها الصحية على مدار الساعة، لضمان نموها بشكل طبيعي خلال الأسابيع الأولى، التي تُعد حاسمة في حياة أي مولود جديد.
في سانت-إينيان، لم تكن تلك مجرد ولادة حيوان، بل قصة صمود وتكاتف إنساني، وانتصار للحياة في لحظة كادت تنقلب إلى فاجعة… قبل أن تتحول إلى واحدة من أكثر اللحظات إلهاماً في حدائق الحيوانات الفرنسية هذا العام.